تسونامي العنف - الرجل عض كلب!

 "الرجل عض أحد الكلاب بالشارع"
 هكذا تعلمنا أن هذا خبرٌ، فلن يبحث  قارئٌ عن خبرٍ مكتوبٌ فيه أن كلباً قام بعضِ   رجلِ،  لن يبحث عن نبأٍ تقليديٍ عن حادث سيرٍ عادي ولا جريمة سرقة تقليدية، القارئ سيبحث عما يجذبه، ويجذبه ما هو غريبٌ، وما أكثر ما صار غريباً في حياتنا.
في الطب  مصطلحٌ إسمه “Threshold” يصف الحد أو "العتبة" التي يصل عندها الجسم لحالة التشبع، تبدأ في التعرض لقليلٍ من وخز إبرةٍ دقيقة فيشعر جسمك بالألم بعدما أحس جلدك بالوخزة ونقلها لمخك، ولو تعرضت على فتراتٍ متقاربةٍ لنمطٍ معينٍ من نفس المؤثر الخارجي فستتعاظم قدرتك على تحمل الألم، وما يؤلمك اليوم لن يؤلمك غداً و لكن ستحتاج إلى زيادة الجرعة، ربما هي حالة مشابهة تماماً لحالة من يتعاطون المخدرات، لا يرويه اليوم ما كان يروي حاجته أمس، فتزيد الجرعة وتتفاقم المشكلة، الكيف بيحكم، وهي مشابهة تماماً لحالة من يتعاطى الأخبار اليوم، يقف كل يومٍ على أعتاب "العتبة القاتلة"!
فما كنا نتعاطاه منذ خمسينَ سنةٍ عن أحداث العنف الأسري والمجتمعي يقل كثيراً جداً عما صرنا نتعاطاه اليوم، وصار عقلنا الباطن مشبعٌ لدرجةٍ صرنا نستسيغ فيها اليوم أن نتناول الطعام ونحن نجلس أمام التليفزيون نتابع مجزرةً في هذه الدولة الأجنبية أو مظاهرةً عنيفةً في هذه الجامعة المصرية، بينما كنا منذ عدة سنوات ليست بالبعيدة نتجرع الدموع ونحن نقرأ عن معاناة الأطفال في مخيمٍ فلسطينيٍ أو تتعلق أرواحنا عندما تقع في مصر جريمةً شهيرةً، حادثُ فتاة العتبة مثلاً، فكيف كنا وكيف أصبحنا!
اليوم لن يكون الخبر أن مدرساً ضرب التلميذ في الفصل أو سبه، الخبر اليوم بكل بساطة صار أن الطالب المراهق قتل المدرس لأنه سبه في الفصل، أن الأم قدمت طفلتها لعشيقها كي يغتصبها لأنها – أي الأم المجرمة - تمر بفترة الحيض، عارفة ربنا قوي ياختي! أو أن العم قد إغتصب إبنة أخيه البريئة مستغلاً وجودها معه في غياب والديها، وكأنه من المفترض أن يشك المرء منا في نفسه، أن يشك في كل من حوله ممن يعرفهم لا أن يحتاط  من الغرباء فقط وينبه أبنائه أن يحذون حذوه مع الغريب، مالت الموازين و إختلت!
ويثور في عقلي الحريق، ويشع في قلبي البريق، هل ما نحن فيه هو من صنع الإعلام والسينما والمسلسلات التلفزيونية ؟ أم أن ما يحدث هو أن هذه الوسائل الإعلامية تنقل ما يحدث على أرض الواقع وحسب؟ لا تشويق في الخبر ولا توابل في الصياغة، ولا تصدير لما يجذب القارئ بطريقة الرجل عض الكلب! هي طريقة شهيرة للتفكير المصري، البيضة أم الفرخة؟ الأفلام التي سادت مصر في الثمانينات هي التي ساهمت في نشر المخدرات أم أن إنتشار المخدرات في ربوع مصر هو الذي جذب صناع السينما كي يوغلوا في نقل دقائق أمور المدمنين، فجذبوا بدورهم مزيداً من الزبائن سواءَ لدور السينما كي يستمتعوا بالموجة الجديدة من الأفلام، أو للباطنية كي يستمتعوا بالكيف وبالهيروين والكوكايين!
صرتُ أستحي من إبني كلما جلس إلى جواري في السيارة، أحاول أن أهرب من عينيه عنما سألني يوماً ما ما معنى كلمة قبيحة يرشونها على الحوائط في تظاهراتهم البائسة، لم أعرف بم أرد عليه، ولا أعرف لماذا صار يتوجب على كل سيدةٍ أن ترى بأم عينيها في تعليقات المصريين في مواقع التواصل الإجتماعي كل هذا الكم من السباب، لماذا يصر البعض أن يرتفع سقف ما يتكلم به بمنطق أن الله حرم الجهر من السوء إلا من ظلم، أو لا تظلمنا قبل أن تظلم نفسك سيدي الشتَّام؟
لا يمكن لأي متابعٍ لوسائل الإعلام أن ينكر أن هناك موجات جديدة تسود مصر، موجات غريبة وشاذة، موجات هادرة وغادرة، في بحرٍ متلاطمٍ تعوم فيه مصر أساساً، موجات حديثة من العنف، تسونامي أكبر من أي تسونامي آخر، إنه "تسونامي العنف"، إنها موجاتٌ من  العنف الأسري والجنسي، العنف اللفظي والجسدي، العنف الديني والدنيوي، العنف الواقعي والإفتراضي، في الشارع والجامع  والمدرسة  والبلاتوهات، في الصحف وتغطياتها ، في أفكارنا وعقولنا، ولا تتعجب، ففي عقولنا السؤال وفيها الإجابة، فيها المشكلة وفيها الحل.

4-5-2014

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حشائش النيكل - هل حاربت أمريكا مصر؟