أربعون
أمام المرآة، أطلت عليّ إحداهن بكل جرأة هذه المرة على عكس المرات السابقة، نعم كن يتمتعن بالحياء في المرات السابقة ولكن هذه المرة عندما مددت يدي لأعدّل من وضع بضع شعيرات نافرة من رأسي تحدتني إحداهن، فتذكرت موقفاً مماثلاً عند "الحلّاق" منذ بضعة شهور في إحدى جلسات تهذيب الشعر، يومها قطف الشعرة البيضاء النافرة الوحيدة كما يقطف البستاني ثمرة وحيدةً من ثمار شجرة القشطة من شجرتها وهي الشجرة التي تثمر مرةً وحيدةً في العام .
ولكنه هذه المرة إنتقل من لعب دور البستاني الإستوائي ليقوم بدورٍ جديدٍ عليه في مسرح الغابة، أقصد مسرح الحياة وواجه لأول مرة هجوماً جارفاً من شعرةٍ بيضاء وأخرى وغيرها وغيرهم، فبدا كما لو كان فلاحاً قروياً يحصد سنبلة قمحٍ بعد أخرى من عود القمح الذهبي
الذي إشتد عوده وقوي، ويعلم ذلك العود جيداً جداً أنهم بعد أن يحصدوا من قمته هذه السنابل سيتخذ لحياته الجافة مساراً آخراً بعد أن كان في يومٍ ما ذلك العود الأخضر تام القوة والحيوية والنضارة، فليس بعد تمامٍ إلا نقصان.
مد بصره في عيدان القمح الذهبية واحداً بعد آخر وقلب بيديه شعر رأسه بعناية، قطف شعرةً بيضاءَ جديدة، تطل عليه من الأمام صديقة لها، تبدو أخرى وكانها تخرج له لسانها وتقول له أنا هنا، سأعتليك وبنات جلدتي من اليوم ونزين رأسك ونعنون حياتك، أنت اليوم غير ذي قبل، وصل بعد دقيقتين من التمشيط المتأني لحقيقةٍ جديدة، حقيقة أربعينية جديدة يصل لها المرء مرةً واحدةً في عمره، حقيقة حقبة جديدة.
مد ذاكرته في سنين العمر الفائتة واحدةً بعد أخرى، حاول أن يعيد زراعة بعض العمل والأمل وإقتلاع بعضاً من الخطايا وقلة العمل، حاول ثم حاول ثم حاول فلم تنجع محاولةً يائسةً أن تعيد ما مضى، فنبه عقله ذاكرته ولسان حاله أن انظر لما هو آت، فما فات قد فات، ولكن الصراع داخل عقله احتدم، فربما يحين وقت الحصاد في أي لحظة، فبمقاييس البشر والعمر . . نحن الآن أين؟ نحن نخطو نحو القمة، وهذه ليست المشكلة، المشكلة أننا ربما نهوي بسرعة للحظة النهاية، هكذا حدثته نفسه!
دق قلبه بيده مرة بعد أخرى، حاول أن يلين في مواقف إشتد فيها وأن يشتد في مواقف قد لان فيها، ووصل لقناعةٍ أربعينية، أن ما كان يثيره في الماضي ما عاد يثيره، وأن ما كان يثريه ما عاد هو نفسه ما يثريه، نسبيةٌ هي الثورة والثروة كما أشياء كبرى وصغرى أخرى في حياتنا وحياته.
وهكذا هي آفاقنا الضيقة، تقبع ضالتك أمامك وتطوي الأرض بحثاً عنها، تظل حقيقتك أمام عينيك وتعيي البشر سؤالاً عنها، أمام عينيك نبتةً تنميها بينما أنت تبحث عن الإبرة الضائعة في كومة القش بينما الإبرة في يدك تنتظرك أن تستخدمها، ازرع في ذريتك ما سيبقى من بعدك، اعمل لنفسك فما يبقى هو عملك، واشكر ربك اليوم فيغفر لك ذنبك.
" رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"
تعليقات
إرسال تعليق