مصادفات ومكائد - من لافون للتبين! مقال لا تنتهي صلاحيته
فضيحة لافون هي عملية سرية إسرائيلية فاشلة كانت تعرف بعملية سوزانا كان من المفترض أن تتم في مصر، عن طريق تفجير أهداف مصرية وأمريكية وبريطانية في مصر، في صيف عام 1954، ولكن هذه العملية اكتشفتها السلطات المصرية وسميت باسم " فضيحة لافون " نسبة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بنحاس لافون الذي أشرف بنفسه على التخطيط للعملية.
تعتبر هذه العملية من أشهر العمليات الإرهابية في العصر الحديث التي تسلط الضوء على دور إسرائيل التخريبي في المنطقة العربية بصفة عامة ومصر بصفة خاصة من خلال ما يسمى بـ "الضربات الوقائية".، ولكن هل توقف التاريخ وتوقفت الأحداث المشابهة أم تغيرت الاطراف بتغير الزمان والمكان!
يزخر التاريخ بالعديد من الأحداث المدبرة، كما يزخر التاريخ نفسه بالكثير من المصادفات التي كشفت العديد من المؤامرات، وتكمن صعوبة مواجهة المؤامرات في وجود تيار فكري يرفض نظرية المؤامرة على إطلاقها، ولأن التاريخ كتابٌ نقرأه أو نهمله، نعرفه أو نجهله، فإن من يقرأ التاريخ سيكتشف الكثير، كما أن من لا يقرأ التاريخ لا مكان له في الجغرافيا والوجود، فماذا عن عالم المصادفات؟
لم ينقلب الجيش المصري على الحكم الملكي التابع للتاج البريطاني صدفةً، ولكن الأمر كان مدبراً، فالجيش إرتأى وقتها ضرورة التخلص من التبعية والبدء في البناء، وتبع ذلك العديد من الأمور التي حدثت بمصر والعالم تدبيراً محكماً من قوى عديدة جابهت مصر ولاتزال كي تمنعها من النهوض والبناء، بأوجهٍ متعددة وبأقنعةٍ مختلفة، وكان القدر الإلهي للعديد منها بالمرصاد، فهل سمعت عن العملية سوزانا؟
إنها العملية لافون، التي تنسب لوزير الدفاع العبري آنذاك إسحق لافون، تلك العملية التي حدثت بصيف مصر عام 1954، ذلك الصيف الذي كان مشتعلاً بعد خلافاتٍ حادة بين أقطاب مجلس قيادة الثورة المصرية في ربيع ذات العام، وهو العام الذي حدث فيه إتفاق الجلاء البريطاني عن مصر وحدث فيه أيضاً أن تمت تنحية اللواء محمد نجيب عن سدة قيادة المجلس وتنصيب جمال عبد الناصر مكانه في نوفمبر من العام 1954.
وبينما كانت مفاوضات الجلاء تسير بشكلٍ جيدٍ تحت قيادة عبد الناصر حاولت السلطات العبرية أن تشوه العلاقة بين السلطة الوليدة في مصر وبين الدول الغربية، عن طريق ضرب مصالح بريطانيا وأمريكا بمصر، فقد كانت دولة الكيان الصهيوني تهدف إلى إفشال المفاوضات كي تبقى القوات البريطانية في قناة السويس، وكانوا يرون في تل أبيب أن بقاء 80 ألف جندي بريطاني على طول مجرى قناة السويس يجعلهم أكثر أمناً، فهذه القوات تشكل درعاً يفصل الجيش المصري عن أرض فلسطين دون شك.
وخرجت للنور العملية المخابراتية الصهيونية في شوارع وأزقة مصر، وكانت تحت قيادة بنيامين جيبلي، مدير المخابرات العسكرية الصهيونية آنذاك. كانت العمليات المجمعة تحمل إسم العَلَم الخادع، وكان الهدف منها أن يتم تنفيذ عمليات معينة ضد أهداف محددة بإستخدام طرق توحي للرأي العام أن هناك جهاتٍ أخرى هي من قامت بها، أي أن يتم لصق التهمة بطرفٍ ثالثٍ، وكان في حالتنا هذه دولة مصر، وحدث كل هذا وقتها في إطار ما يعرف في أدبيات الدولة العبرية بالضربات الوقائية، وهو ما لا يزال يتم حتى اليوم.
وتركزت أهداف العملية سوزانا أو لافون في القاهرة والإسكندرية، وكان مخططاً أن يتم ضرب مكاتب الإستعلامات الأمريكية، ودور سينما تابعة لشركات بريطانية وأمريكية، وكذلك إحداث حرائق بمناطق مخختلفة من مصر وتصوير ذلك للرأي العالم العالمي على أن مصر غير مستقرة وغير قادرة على توفير الأمن للمصريين والأجناب على حدٍ سواء، وكل ذلك كي تتوقف مفاوضات الجلاء ويبقى الإنجليز بمصر.
كان الهدف الأول هو المبنى الرئيس للبريد بمدينة الإسكندرية، في الثاني من يوليو 1954، ثم جاءت الضربة التالية لتستهدف مكاتب الإستعلامات الأمريكية بالقاهرة والإسكندرية، وكان ذلك في الرابع عشر من يوليو من نفس العام، لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، فقد أحدث الله المصادفة كي تنكشف المؤامرة والمكيدة، إشتعلت النار في ملابس أحد منفذي العملية بينما كان يقف أمام سينما ريو، وبهذا إنكشفت أمام السلطات المصرية قضية من أخطر قضايا التجسس والتآمر، كان أطراف القضية وأعضاء الشبكة هم من المصريين يهوديي الديانة، وكانت الخلية تحمل إسم الوحدة 131.
وكان أشهر أعضائها جون دارلنج الضابط اليهودي، وقد تمكن من الهرب، وكذلك ماكس بينيت الذي أنتحر بالسجن قبل محاكمته وكان هو نفس الشخص الذي نفذ تفجيرات ببغداد عام 1951 ضد الجالية اليهودية بغية زرع العداوة بين العراقيين بعضهم البعض، مسلمين ويهود، كي يهاجر يهود العراق للوطن القومي الجديد الذي نشأ على أرض فلسطين التاريخية، وأخيراً كان من أهم أطراف هذه القضية – والذي أفرج عنه لعدم كفاية الأدلة – العميل إيلي كوهين، الذي كشفت المخابرات المصرية عبر عميلها بتل أبيب رفعت الجمال أنه – أي كوهين - قد توغل في دوائر صنع القرار السورية وكاد أن يصبح مسؤولاً نافذاً بها قبل أن يتم القبض عليه ويعدم في ميدان عام بعد ذلك.
ولأننا يجب أن نقرأ التاريخ، ونتوقف أمام محطاته الهامة، ونستحضر تشابهاته وتطابقاته كي نتطلع لتغيير الواقع والمضي قدماً بلا أخطاء متكررة، فإنه يجب علينا أن نتوقف أمام محطتين هامتين تمت وقائعهما في مصر مؤخراً، قبل أن تنطلق سلسلة التفجيرات الأخيرة التي يظن البعض أنها تأتي إعتباطاً، فهل كان ما يفعله يهود مصر إعتباطاً أم كان له أهداف وأهداف محورية؟
فقد حدثت بالتبين بحلوان في مايو من العام الحالي مكيدةٌ أخرى، شابان لقيا حتفهما وهما يزرعان قنبلة بأحد أنفاق حلوان، وذلك قرب منتصف الليل، ومن المعلوم أن البسطاء من مواطني مصر والقاهرة هم من يعبرون عبر هذه الأنفاق من الحياة العملية التي تذهب بهم لوسط البلد ويعودون من خلالها لمناطق سكنهم الفقيرة نسبياً، فقد أكد مصدرٌ أمنيٌ يومها أن من لقيا مصرعهما يومها هم الشخصان اللذان كانا يقومان بزرع القنبلة ولكنها أتت عليهما وحولتهما لأشلاء قبل أن تصيب أي مصريٍ آخر أرادا أن يمسه سوءهما يومها جراء زرعهما تلك العوبة الناسفة في النفق.
وبعدها بعدة أسابيع، وقبل أن ينصرم العام الأول لرحيلهم عن الحكم، تكررت المكيدة وتكررت المصادفة الفاضحة، فقد إنفجرت عبوةٌ ناسفة بجسد أحد الشباب ويدعي محمد حمدي ويبلغ من العمر عشرون سنة وهو يقود دراجة فيسبا، وأصيب على إثرها إصاباتٍ بالغة تم نقله يومها لمستشفى الحسين الجامعي ولكنه لقي حتفه جراء إصاباته وتبين من التحقيقات أنه ينتمي لجماعة الإخوان المحظورة، وتبين من التحقيقات التي قمت بها النيابة أن المتوفى كان يستهدف بعمليته أحد الأكمنة الشرطية ولكن القدر لم يمهله ولقي حتفه بما صنعت يداه.
وتمر الأيام، ونقترب من نهاية عامٍ كاملٍ لم تغب عنا فيه المصادفات والمكائد يوماً واحداً، والغريب أنك كلما تعتقد أن هذه هي النهاية، وسينزوي الإرهاب، إلا وتجد نفسك أمام مكيدة أخرى، ولن تكون الأخيرة، وإلا فقل لي بالله عليك كيف تتوقع مني أن أستقبل إحتفاء شباب الإخوان بعمليات التخريب المنتشرة في مصر في حساباتهم الإلكترونية! كيف تفسر لي إحتفاء أحد مؤسسي شبكة رصد وإبنة أحد أهم قيادات الجماعة بحادث حرق بنك CIB منذ عدة أيام، كيف أتقبل أنه يكتب: المجد للمجهولين في إشارةٍ للخبر الذي يقول قام أحد المجهولين بكذا وكذا وكذا!
فقد حدث في السنتين الماضيتين ما يشبه كل ما كان يفعله اليهود بمصر عام 1954، وما يفعله شباب ينتمون لجماعاتٍ تزرع الرعب في مصر قبل أن تزرع القنابل، فيمر من القنابل ما يمر ويكتشف الأمن ما يتيسر له، ويبقى الحال كما هو، مكائد تكشفها مصادفات، فهل تعقل العقول ما يحاك!
9-11-2014
مقال لا تنتهي صلاحيته
تعليقات
إرسال تعليق