أنا أحلم، فهل أنا طبيعي؟
أعرف تماماً أني أحلم، وموقنٌ تماماً أن هناك من يسبني في سره وفي علنه لأني أحلم، ولكني أحياناً لا أملك غير رفاهية الحلم، وموقنٌ تماماً أني لا أريد أن يطول النوم، وأن يتحقق الحلم، فهل أنا طبيعي؟
أشعر بدبيب هذه المدرس في الفصل أمام الطلبة
وهو يتابع أفكارهم للدرس الذي يدرسونه معاً وينتقل بهم للمعمل المدرسي كي يطبقوا
ما درسوه في الحصص الدراسية، ينقل حيويته للطلبة وينتقل بهم بين جنبات الكتب بكل
سلاسة، يتعلمون بالتفاعل والمشاركة وإطلاق الإبداع، ويُنهون يومهم في الرابعة
عصراً بلا أي أعباءٍ إضافية بعد الرابعة عصراً، لا دروس خاصة ولا لهاثٌ للأطفال في
الطرقات بين هذا المدرس الخصوصي وذاك، وغيره قد إختار العمل بالمدارس الخاصة أو
الدروس الخاصة وليس له مكان في الوظيفة الحكومية.
أحلم بهذا البيت الصغير ذي الطابقين والحديقة
الملحقة في وسط الزراعات المثمرة وسط أحضان الريف المصري في الوادي ووسط الواحات
الخضراء في الصحراء، أحلم بخريج كلية الزراعة يمتهن مهنته وينفع الناس بها، يجرب
زراعة التقاوي في حديقة منزله الإداري ويجتمع بالفلاحين الذين يزرعون الأراضي التي
هو مسؤولٌ عنها كي يخططوا ويفكروا ويطوروا من أراضيهم وإنتاجها، و يدمجوا الخبرة
مع العلم، ويتسلم المهندس الزراعي راتبه أول كل شهرٍ كي يعيش منه عيشته الكريمة، وتحاسبه
الحكومة بالأهداف، فكلما أنجز الأهداف التي ترد إليه من مديره المباشر كلما كافأته
الدولة مادياً كما أنها تجدد التعاقد معه.
أتخيل هذا الطبيب الشاب وأسرته الصغيرة وقد
تسلموا بيتهم الأنيق وسط المستشفى القروي في هذه القرية النظيفة من قرى مصر
الجديدة، و قد إختار الطبيب ما بين العمل بالحكومة وبين العمل في عيادةٍ خاصةٍ
فإختار التعاقد مع الحكومة ووزارة الصحة فراتبه المبدأي وهو بعد في الخامسة والعشرين
من عمره يتجاوز العشرة آلافٍ من الجنيهات، وهو يعلم أنه سيزيد مع الوقت زيادةً
كريمةً تتيح له عيشةً كريمةً، فهو قد تعلم من الجيل الذي سبقه ومات وهو يصارع
الحياة ويلهث وراء رزقها بين العيادة الخارجية والمرور على الداخلي ويجري بين
طرقاتها ثم يقفز ليجلس على كرسيه في العيادة الخاصة باقي ساعات النهار كي يتحصل
على بضعة آلافٍ من الجنيهات تضمن له مستوى المعيشة الذي يتناسب مع وضعه كطبيبٍ في
المجتمع، ثم وجد نفسه لا يحيا، فقط هو حصالة نقودٍ، تعلم من رأس الدوك الطائر.
أتعلق بمسطرةِ مهندسٍ شابٍ وهو يباشر ما
أوكله له مديره في الوحدة الهندسية ويتابع كل خطوات إنشاء تلك العمارة وهذا المبنى
الحكومي وهذه المدرسة وهذا الحي الجديد ومخططه، وهو لا يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا
وراجعها، ولا يتسلم المبنى ويوقع بصلاحيته لأنه جيبه ممتلئٌ بالرشى بل لأن ضميره
مليء بالراحة، وهو قد تسلم عمله الجديد بعد أن تعاقدت معه الدولة بعد أن تم إلقاء
القبض على كل المرتشين في المحليات وصار العمل من وقتها يحمل روزنامةً إداريةً
حديثة، الإدارة بالحوكمة والجودة، كل خطوةٍ يوافق عليها يراجعها خلفه مديرٌ أمينٌ ويراجعها
خلفه من يديرهم، تكافئهم الدولة في هيئتهم كلما كان الحي أو المدينة التي
يتابعونها منظمةً، ويتقاضى راتباً كريماً بدلاً من السفر للخليج أو العمل الخاص ومجازفات
شركات المقاولات.
وفي هذا المصنع، تغيرت القوانين وتملك العمال
ماكيناتهم، وصارت لهم أسهمٌ في ملكية المصانع التي يعملون بها، وصارت للدولة
رقابةٌ صارمةٌ على المصانع مع الحفاظ على أسُسِ الملكية وأصول المصانع في حيازة
المصريين دون غيرهم مع شرط عدم بيع الأسهم من قبلِ العمال أو ورثتهم، فهم يملكون
جزءً من الأسهمِ كي يعملوا فيما يملكون ويكون الناتج لهم فيزيد و يطمئنون، ليس كما
يفعل المصريون اليوم فيما يعرف بتسقيع الأرض أو تسقيع العقار أو السهم.
ولأنني صيدلي، أحبَّ مهنته يوماً ما، وتتداعى
عليه الأزمات وعلى مهنته كما تتداعى الغيلان على ضحيتها، ولأن لا أحد يشعر بنا، ولأن
الجاني عيلنا كان أحدنا أو كلنا، فحلمي أن أعود للمهنةٍ يوماً وقد عادت مهنة،
يتقاضى صاحبها أتعاباً كما يفعل المحامي والطبيب بل والنجار والحداد، أن يختار
الجيل القادم ما بين العمل بالحكومة والإخلاص له والتفاني فيه أو الرحيل للقطاع
الخاص في الصيدليات الخاصة، أن يحدد الصيدلي مواعيد فتح وغلق صيدليته وأن ينتظره
المرضى بالدور كما ينتظرون في عيادة الطبيب، أن يحصل الصيدلي على إجازةٍ أسبوعية
كما يفعل أي مهني أو أي حرفي، الحلاق يحصل على إجازةٍ أسبوعية، أما اليوم لو سألت
أغلب الصيادلة عن حلمهم لقالوا: أنا عايز أعيش.
أحلم ألا يكون إعتمادنا على السياحة وحسب،
فلا يصح أن نعيش حياتنا ونحن ننتظر مجئ هذا ووفود هؤلاء، السياحة صناعة هشة
وضعيفة، تقتلها حادثة وتعطلها شائعة، بالطبع نرحب بالجميع في بلدنا، وهي بلدٌ
جميلٌ على أي حالٍ، أتى من أتى ورحل عنها من رحل، فنحن بلدٌ غنيٌ بأبنائه، ويدهم
وعقلهم يمكنها أن تعظم الناتج القوني وتزيد الموارد الدولارية بطرق جديدة، البرمجة
وتصميم المواقع وادخال البيانات والترجمة والتسويق الالكتروني، كلها طرق خدمية معاصرة تجلب بها الهند مثلًا ما يربو على 30 مليار
دولار سنويًا، كلها من عرق وجهد وتركيز شباب الهند في العمل عبر الإنترنت، بلدنا
جميلة، ولكن فيها من سوءِ الإدارةٍ وسوءِ توزيعٍ الثروات والجيوب التي تمتلئ من
جيوبٍ أخرى والأهم، فيها عقولٌ لا تمتلك الإرادة، فكنت ولازلت أحلم بالمنظومة،
المنظومة أثابكم الله.
و يبقى السؤال، هل أنا طَبِيعِيٌّ؟




تعليقات
إرسال تعليق