مشكلات وإبداعات، مصر بلاد الأسئلة والإجابات

الأهداف الملحة بقوة، المشكلات الضاغطة، الأسئلة المحددة..
كثير من أدبيات التفكير والإدارة تعتبر هذه العناصر الثلاثة من أهم دوافع الإبداع..
يبدع المصريون كثيراً، جدران معابد قدماء المصريين تقول ذلك، أفكار الفلاحة والزراعة والطب والتحنيط والحربية التي نقلت عنهم تقول ذلك، ورغم تتابع فترات العلو والاضمحلال لكن الأثر بقي وصمد، والأزمات ولدت إبداعات، وما أكثر الأزمات وما أجمل الإبداعات.
التوجه العام على مواقع التواصل الاجتماعي مؤلم دوماًَ، كنت أميل له في الماضي، يجيئ يوم اكتوبر فأتذكر مساوئ السادات، تأتي ذكرى يوليو ونلوك سيرة عبد الناصر، إن لم تكن هذه حرب نفسية يطلقها عدوٌ لنا ونغذيها نحن بغباءنا فكيف تكون الحرب النفسية إذاً!
هزيمة قاسية تلك التي مني بها المصريون في يونيو 67، أرضٌ ضاعت، قدسٌ فقدت، كرامة بعثرت وأحلام تبخرت، والأهم: نهضة صناعية ونموٌ اقتصادي بترت أطرافهما، لم يعاصر جيلنا السبعيناتي أيام أن كان المصري يطأطئ رأسه في بلاد بره، الكل يعير ويلوم، ولكننا سمعنا، وعرفنا كيف كان الهدف ملحٌ وكانت المشكلة ضاغطة، وتحدد السؤال: متى!
لو دققنا في أحداث ما بعد هزيمة 1967 والتحضر للحرب لوجدنا أسباب إبداع المصريين يوم 6 أكتوبر..
كان لنا هدف هو غسل عار الهزيمة واستعادة الكرامة والأرض بالطبع وكانت مشكلة الاحتلال وتوقف التنمية وضياع سدس أرض البلد بخيرها وقناتها ضاغطة بقوة وكانت أسئلة الطلبة والناس في المظاهرات: متى نحارب؟ متى نستعيد الأرض؟ هل نحارب فعلا؟
ادرس جيداً الوضع على الأرض: الكيان الغاصب يحتل مساحة شاسعة من أرضك من ضمن ما نهب في حربي 48 و67، ويمنعه عنك قناة السويس بمياهها المنهمرة وخط بارليف الذي ظنوا أن حصنوا أنفسهم به منا، وبحوافها فتحات نابالم نيرانية تلهب سطح القناة فلا تعبر لك مركب ولا يعيش لك مقتحم، وسلاحهم غربي وسلاحك شرقي، عدوك يفتح لك خزائن سلاح وتدريب وحليفك بخيلٌ لا يبيعك إلا القليل الذي بالكاد يبقي ويذر. (راجع تقرير كيف أنقذت حشائش النيكل الدولة العبرية من السقوط: http://www.myegyptmag.com/index.php/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D8%B3%D8%A7%D9%85/%D9%85%D9%86%D9%88%D8%B9%D8%A7%D8%AA/6488-misc-06-10-15)
وبحكم تفرد صاحب القرار بالقرار في بلادنا كان لدى السادات اهداف شخصية ومشاكل ضاغطة وكان له اسئلته المحددة هو الآخر، والتي كان من نصيب مصر أنها تلاقت واتحدت مع اهداف الدولة والوطن وكانت اللحظات الجريئة في عمر مصر الحديثة، اكتشف جيلي جرأة السادات متأخرا، ربما كان تأثير أدوات الإعلام وتوجهات جموع الإعلاميين ضارة بوعينا سنوات طويلة، يكفي جرأته في مواجهة تخوينه وتقزيمه والدفع بجبنه وأنه لن يحارب، وكان هو يدفع بخطة الخداع الاستراتيجي ويتعمق بها في وجدان المصريين قبل الأعداء، أقوى أسلحة حرب 73 جنباً إلى جنب مع الإنسان المصري، برأيي هما أقوى سلاحين حاربنا بهما يومها.
قنبلةٌ نووية ربما لا تستطيع هدم الساتر الترابي ولا تحصينات خط بارليف الحصين، وربما استغرق البحث شهورا وسنوات في معامل الجيش وأدمغته.. كيف نهزم هذا الخط الذي يدعون أنه أقوى من خط ماجينو! ولكن إبداع أحد قادة الجيش المصري فكك الخط والساتر والتحصين الأقوى، ربما تذكر لعبه على الشاطئ وكيف تهزم المياه الرمال، المهم أنه أنتج هذا السلاح البسيط بفكرة خارج كل الصناديق: خراطيم مياه تشق الساتر وقد كان.
مجلدات وكتب ومحاضرات ومناهج دراسية كاملة ربما لا تكفي للحديث عما فعله المصريون يوم العبور، ولا أنكر أنه استغرق الأمر مني سنوات كي أعي قوة ما حدث، المباغتة والدهاء والتركيز والقوة والتحدي والإصرار، وأهم ما حدث برأيي أن الأرض عادت بعد مفاوضات تالية وهي خالية من مستعمراتهم، من دنسهم ووجودهم القذر المستمر في القدس والجولان وباقي أرض فلسطين التاريخية، وآيات الله وحدها ربما تكفي: "إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا "
وما تجمعكم الأخير هذا إلا ليقضى عليكم..
هذا وعد الله لكم.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حشائش النيكل - هل حاربت أمريكا مصر؟