عالم عيال عيال لكن رواد أعمال
نعيش في عصر متغير ومتقلب، تضيق فيه فرص العمل وتتكاثر أعداد الخريجين، تطغى فيه التقنية وتتآكل الفراغات المتاحة للأيدي العاملة، ولأن لكل عملة وجهين، فالتقنية تفتح آفاقا رحبة كذلك في نفس الوقت الذي تجثم فيه على سوق العمل، تضيف له رئة ثالثة وتضخ في قلبه دماءً جديدة، دماء ناشئة يافعة طامحة وفاعلة، تضيف لخانة الوظيفة في بطاقة الرقم القومي وظيفة جديدة عنوانها: رائد أعمال.
عشرات، بل لو نكون مبالغين إن قلنا أن مئات الآلاف يخرجون لسوق العمل سنوياً في بلد مثل مصر، يتكدسون على المقاهي وأمام شاشات الهواتف النقالة يضيعون الوقت ويلومون الوقت على ضياعهم، ومع وفرة عدد الخريجين مقارنة بفرص العمل المتاحة تتأكد قاعدة إقتصادية بسيطة وشهيرة وهي قانون العرض والطلب: المعروض من الباحثين عن وظيفة وفير وبالتالي فالقيمة ستكون بكل تأكيد أقل مما يرغب الباحثون عن وظيفة.
أشهر جملة مرت بأسماعنا في نهاية القرن الماضي أن العالم أصبح قرية صغيرة، وكان الإتصال بين الشعوب يتم بالتليفونات والأقمار الصناعية ولم يكن الانترنت متوغلا لهذه الدرجة، ولكن كل كتاب في الإدارة وكل عالم في التسويق وكل مقال في البيع وكل تقرير عن ريادة الأعمال والأعمال النائشة بتكلم عن نقطتين هامتين: الرقمنة والإتصالية، تجاوز الأمر ما وجدنا عليه شبابنا، القرية الصغيرة أصبحت بيتاً واحداً.
العالم اليوم أصبح يتمتع بإتصالية فعالة، الجميع متصلٌ بالشبكة الدولية العنكبوتية، تعرف كل شيئ في العالم بسهولة أكبر مما مضى، وشخصياً أعتبر أن موقع اليوتيوب هو أكبر مؤسسة تعليمية في العالم ، نعم هو موقع ترفيهي ومحتواه الترفيهي لا يمكن اغفاله، ولكن اليوتيوب ليس للمسلسلات دون اعلانات أو مشاهدة أغنية مطربك المفضل الجديدة قبل أي شخص آخر وحسب، بل يمكنك تعلم كل شيئ: من اللغة إلى البرمجة إلى الرسم إلى التسويق إلى البيع وخدمة العملاء والمحاسبة والاقتصاد الخ الخ الخ...
في الغرب وكما تجري العادة يحدث السبق، لماذا لا استخدم التقنية والرقمنة والإتصالية كي أكسب العيش، لماذا لا أستغل ما هو مفيد في التقنية وأؤسس عملي وأنجح فيه!
ربما دار هذا التساؤل في ذهن أحد الشبان في أمريكا أو ألمانيا من 20 أو 30 سنة، ولم يركن، بل حول ما يفكر فيه لواقع، أم يكون رائد أعمال مراهق: Teen Entrepreneur، مبكراً جدا استغل الغرب وأهله مميزات الانترنت وفوائد الرقمنة وأفرزت البيوت وحجرات المعيشة وجراجات المنازل آلاف المراهقين المبادرين.
تنسيق ازهار أو تصميم رسومات أو عزف مقطوعات موسيقية أو انشاء موقع الكتروني أو برمجة لعبة رقمية أو تعبئة وتغليف منتجات غذائية، أو حتى تصنيع الشمع الملون المعطر.. كلها أفكار نجح بها مراهقو أمريكا وأوروبا، وصل الأمر ببعضهم لأن يكونوا مليونيرات وهم دون سن الرشد! بينما نحن نلهو في لعبة صب واي كانوا هم يصنعون المجد
جوهر ريادة الأعمال يعتمد على تحليل مشاكل المجتمع المحيط والتعرف على الألم الحقيقي الذي يفسد حياة الناس، رواد الأعمال المهرة هم من يرسمون خريطة لمشاكل مدينتهم أو بلدهم ويحاولون الوصول لأسبابها ومن ثم التخطيط لحلها عبر التفكير في عدة خيارات تقدم الحل لها، هل درست الإدارة؟ هذه السطور الأخيرة هي أبسط قواعدها، وهي المدخل الرئيس لمفهوم صاعد ومتصاعد في العالم اسمه ريادة الأعمال المجتمعية، اعر ف مجتمعك ومشاكله وعلم عليه .
التقنية تأكل الوظائف، ولكنها تخلق وظائف اخرى، تقتل آلة حصد النباتات آلاف فرص العمل للمزارعين ولكنها تخلق فرصاً أخرى للمصممين والمطورين والمهندسين والبائعين والسائق وورشة الصيانة، فهذا ما حدث مع المراهقة الأمريكية آشلي كوالز، صممت موقعها الإلكتروني whatever life الذي يعرض عليه الشباب أفكارهم الفنية وتصميماتهم الابداعية، ليصلوا للجمهور الذي يقوم بدوره بعملية شراء الكترونية لما يعجبه من المعروضات، كل شيئ يدور في الهواء، تعرض سلعتك أونلاين وأشاهدها أونلاين وتشتريها أونلاين لتصلني النقود عبر كروت الدفع النقدي!
آشلي المولودة في العام 1990 حققت المليون دولار الأولى في حياتها وهي في السابعة عشر من عمرها، بالعمل من بيتها، من غرفة نومها ومن فوق مكتبها وباستخدام لابتوب ووصلة انترنت وعقل، أهم ما يملكه رائد الأعمال هو العقل، الابداع.. الابتكار.. وهي أداوته لحل المشاكل بأفكار من خارج كل الصناديق، وكعادة عالم المال والأعمال في أمريكا، عرض عليها مليون ونصف المليون دولار كقيمة لموقعها، لمشروعها، لكنها رفضت، وصارت تكسب 70 ألف دولار شهريا منذ عشر سنوات كاملة، ترى كم تبلغ ثروتها اليوم!
كن مثل آشلي
ربما لا ندري الكثير عن آشلي ومن هم على شاكلتها، لكن مارك زوكربرج ربما يكون مثالاً أكثر وضوحاً للقاصي والداني، للبالغين والأطفال والمراهقين، فمارك بدأ حياته مبكراً جداً، قبل فيس بووك بكثير، وجد ضالته الأولى في البيت، وفي عمل والده، صمم الفتى الصغير برنامجاً بسيطاً يمكن والده طبيب الأسنان من تتبع عدد كشوفات عيادته بالتنسيق مع الممرضة التي تساعده بالعيادة، ومن ثم يتوقع موعد انصرافه للمنزل كي تقوم والدته بتحضير طعام العشاء للأب المتعب في الوقت المناسب، فعل هذا في سن الثانية عشر، وأسماه Zucknet..
مشكلة وحلها، وتكرر الأمر معه مجدداً وهو بجامعة هارفارد، وفي مدينتها الجامعية حيث يبيت الطلاب والطالبات في ليالي الدراسة، ولد فيسبووك من رحم فكرة طرأت على عقل مارك وبعض أصدقائه وهم دون العشرين من عمرهم، ابتكروا التطبيق البرمجي كي يتواصل الطلبة مع بعضهم البعض عن بعد في المعسكر الطلابي مترامي الأطراف ليلاً، وصار مارك أصغر ملياردير وهو بسن الرابعة والعشرين من عمره!
شيق الأمر ومثير أليس كذلك!
مضى الزمن الذي تكون فيه مفعولا به، مجرد رقم في كشوف الخريجين ينتظر دوره في التعيينات، اليوم يمكن للناشئين البدء في حياتهم العملية الى جانب دراستهم، بالقليل من تنظيم الوقت والكثير من التركيز والأكثر من الابداع، كل ما عليك فعله هو تعلم اساسيات الادارة البسيطة، دراسة مبادئ البيع والتسويق، تفعل كل هذا وأنت متمكن من حرفة ما، ماهر في صنعة ما، بارع في مهارة ما، تعلمها جيداً ثم انطلق، العالم كله بين يديك، فكر جيداً في النجاح وادرس تجارب الناجحين وتعلم منهم وراقب من فشلوا وتعلم من خطأهم، فكر في افكار كبيرة، احلم احلاما عظيمة، آمن بنفسك ايمانا عميقا، واعمل اعمل اعمل، ستكون النتائج مبهرة يوماً ما.
تعليقات
إرسال تعليق