مهنة لا امتهان - وتمر ثلاثة أخرى


31-3-2011
و تمر اليوم ثلاثة سنواتٍ بالتمام و الكمال منذ راودت مخيلتي هذه العبارة، "مهنة لا إمتهان"، ثلاث سنواتٍ تغير فيها وجه العالم في بعض ملامحه، تغير فيها وجه مصر كلها، ربما إلى ما هو أسوأ أو إلى ما هو أفضل، قدرها أنت كما تراها، تغير فيها وجه المهنة و قلبها و ربما إستبد المرض بأعضائها و لكنها لم تزل مهنةً حيةً و إن مرضت، و إن إكتئبنا و صارت الشكوى و السخرية من حالنا هي السائدة بين ما نكتب و ما نقرأ في كل مكان، ثلاثُ سنواتٍ مضت لم يكن وقتها قد أضاف مارك زوكيبرج حتى خاصية الهاشتاج الذي يمكننا من البحث به عما كتبناه سابقاً، #مهنة_لا_إمتهان! 
كلنا يحيا في هذه الدنيا يخوض معاركاً، لا أختار معاركي، المعارك تختار أبطالها، أعرف أني خضت معارك عديدة من أجل أفكارٍ خطرت ببالي أو مبادئ أتقنت أن أحلم بها أو أحلامٍ أيقنت أن الله سيحقهها لي، أعرف أني إصطدمت بالكثيرين من أجل رأيي، دافعت عنه كثيراً و نالني من غبار المعركة ما نالني، نفضت الغبار و أكلمت الحلم، أحلم بمهنة!
لا يمكنني أن أقارن اليوم بين ما حلمت به يوم قررت الإلتحاق بكلية الصيدلة منذ عشرين سنة و بين ما أراه واقعاً معاشاً اليوم بين جنبات المهنة و أرفف الدواء و طرقات المستشفيات، أستحي من نفسي أن أفعل ذلك، لا أدري هل هي مقارنةٌ ظالمةٌ أم هي مفاجأةٌ صادمةٌ، فلا يمكن أن يقول أحدٌ أنه في أوائل التسعينات من القرن الماضي كان يحلم أن تتحول المهنة لإمتهان، أن تغدو الصيدلية مجرد محلاً لبيع الدواء، أن يكون الصيدلي مجرد ناقلٍ للدواء من الرف إلى يد المريض، و بالتبعية يتحول معها لمجرد ناقلٍ للنقود من جيب المريض إلى درج مكتبه، فلم يعد يبدع!
أستحي من نفسي اليوم و أنا أبحث عن تعريفٍ للصيدلي الماهر، فأجده هو ذاك الذي يبرع في أن يبحث لنفسه عن مكانٍ يعج بالسكان أولاً أو يجلب فيه العديد من الأطباء بعياداتهم ثانياً كي يضخوا الديناميكية في حركة الأدوية من و إلى الصيدلية، ناهيك عن إنعدام الإبداع في الأمر، فضلاً عن تزكم أنفك برائحة التجارة الخالصة، فهناك دوماً من سيملك المال الأوفر منك حتى و إن لم يتخرج من كلية الصيدلة و يتفوق عليك و تربح تجارته أكثر منك و بالتبعية يكون بحسب التعريف المعاصر، أمهر منك!
و في خضم الأحداث العديدة التي شهدتها مهنة الصيدلة مؤخراً و بينما تتفتح أمامك كل يومٍ أبواب جديدة للمعارك، بين ضرائبٍ و أدوية منتهية الصلاحية، بين قلة عمالة و تدني رواتب للحكوميين منا، بين دخلاء مهنة يكادون يفتكون بها و يغتصبونها و هي طريحة فراش المرض، بين جهاتٍ عديدة تتبنى مشاكل المهنة و تجدها تطرح لك دوماً المسكنات واحداً بعد الآخر فلا يستجيب الجسد للتهدئة و تستمر الحمى و تتمادى، و يفتحون الباب و لا يغلقونه فتجد آخراً يصدمك بعواصفه، تتداعى عليك الحمى و لا تعرف ما سببها؟
جرب أن تسأل محيطيك، صيادلة أو غير صيادلة، ابدأ بالصيادلة، سلهم ما هو هدف المهنة الحالي طويل المدى، ما هدفها للعام الحالي، سلهم عن رؤية النقابة و عن رسالتها، سلهم عن الخطة التي نعمل بها كمهنيين تحت أي مظلةٍ تظلنا كي نصل لأهدافنا، ضعهم أمام الحقيقة، أن الخطط تتبع الأهداف، فما هو هدف المهنة؟
هل هو كرامة الصيدلي كما أجابني أحد الزملاء يوماً ما و أنا أتخبط حيرةً لا أعرف حقيقةً ما هدفنا في العام 2014 لمهنة الصيدلة؟ كنا في أحد الإجتماعات النقابية، أعدت الكرة و سالت آخرين، تباينت الإجابات، حتى من إتفق على أن يستعيد الصيدلي كرامته الجريحة إختلفوا فيما بينهم على تعريف و توصيف مفهوم الكرامة، هل هي أن يعامله المريض بإحترام أم أن يرتفع دخله كباقي المهنيين؟ أم أن يحدد أتعاباً لما يقوم به من أعمال في صيدليته كالمحامي و الطبيب و المحاسب؟ أن يحدد قيمة جهده إن إجتهد و يتساوى في ذلك حتى مع الحرفيين مع إحترمنا لكل الناس، الحلاق يحصل على حقه في الراحة الأسبوعية و أنت لا!
فيثور سؤال، أو قل تثور عاصفة أسئلة، هل يمكننا تحديد رؤية و رسالة و أهداف مهنة الصيدلة؟ هل يمكننا ذكر خطط و استراتيجيات و تكتيكات مهنة الصيدلة في مصر؟ هل نعرف أولوياتنا، هل نعرف الأخطار التي تهدد مهنتنا؟ هل نعرف الفرص المتاحة أمام المهنة و من يعملون بها؟ هل توجد آلية للمتابعة لخطط الجهات الرقابية و النقابية في المهنة؟ هل تعرف أن الإدارة متابعة؟
اليوم أصبح عندي قضية، #مهنة_لا_إمتهان، هكذا الأمر ببساطة و بكل التعقيد في الوقت ذاته، أن ينتظرني المريض و يشعر بإحتياجه لي، أن أحصل على إجازةٍ أسبوعية كباقي البشر و مخلوقات الله، أن أحلم يوماً أن ألحق ولدي الوحيد بكلية الصيدلة.


31-3-2014

يعاد نشرها بعد ثلاثة أخرى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حشائش النيكل - هل حاربت أمريكا مصر؟